الدعوة إلى الكراهية أو "خطاب الكراهية"
الحق في حرية التعبير ومبدأ المساواة وعدم التمييز كلاهما عالميان، ما يعني أنهما ينطبقان على الجميع، ويعزّز كل منهما الآخر. وهذا يقتضي من الدول الموازنة ما بين حق الأشخاص في التعبير عن أنفسهم بحرية من جهة، وحق الأشخاص في أن يعيشوا أحراراً من التمييز من جهة ثانية. ومثل هذه الموازنة بين الحقوق كثيراً ما تكون صعبة وتنطوي على أخذ طيف عريض من العوامل بعين الاعتبار. في هذا القسم، نستطلع بعض تلك العوامل ونتدارس أي قيود على حرية التعبير يمكن أن تكون مقبولة في سياق الدعوة إلى الكراهية أو "خطاب الكراهية".
من المهم هنا إيضاح أنه بينما يظل هناك تداخل كبير بين "الدعوة إلى الكراهية" و"خطاب الكراهية"، إلا أنهما ليسا عبارتين متماثلتين. فعبارة "الدعوة إلى الكراهية" تتصل بالمادة 20(2) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" وتشير إلى الدعوة إلى "الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية [التي] تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف"، ويجب على الدوام أن يتم تحريمها بموجب القانون. أما عبارة "خطاب الكراهية" ففضفاضة أكثر، وتغطي طيفاً من التعابير التي يمكن أن تعتبرها الدول، أو لا تعتبرها، واجبة الحظر. وفي الحقيقة، فإن من واجب الدول حماية حق التعبير عن الأفكار الذي قد يجده البعض مسيئاً إلى حد بعيد، طالما أنه لا يشكل ضرباً من ضروب التحريض-فحرية التعبير تنطبق على المعلومات والأفكار من جميع الأنواع. ومع أنه ليس ثمة تعريف عالمي شامل متفق عليه في القانون الدولي لعبارة "خطاب الكراهية"، فإن هذا المفهوم يمكن أن يلعب دوراً مهماً في الجهود الرامية إلى تعزيز قيم الكرامة والمساواة التي يؤكد عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويمكننا التمييز بين ثلاث فئات من "خطاب الكراهية"
- "خطاب الكراهية" الذي يجب حظره. فالأشكال الحادة من "خطاب الكراهية" يجب أن تمنع. حيث تشير المادة 20 من العهد الدولي إلى الدعوة إلى "الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية [التي] تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف". ومن هنا فالدعوة إلى الكراهية هي أكثر من مجرد التعبير عن أفكار وآراء تنطوي على الكراهية لأعضاء جماعة بعينها. وهي تتطلب إظهاراً جلياً للنوايا يهدف إلى تحريض الآخرين على التمييز ضد جماعة المعنية أو معاداتها أو ممارسة العنف ضدها.
- "خطاب الكراهية" الذي يمكن أن يحظر. يمكن للدول أن تحظر الأشكال الأخرى من "خطاب الكراهية" فقط في حالة انطباق شروط المادة 19(3) من العهد الدولي عليها.
- "خطاب الكراهية" القانوني الذي ينبغي حمايته من التقييد، ولكنه يثير في الوقت نفسه بواعث قلق بشأن التعصب والتمييز، ويتطلب رداً نقدياً من جانب الدولة.
إن "خطاب الكراهية" مفهوم عريض، وله معان مختلفة لدى الشعوب المختلفة. وفي بعض الأحيان، تستخدم الحكومات قوانين تنطوي على تعريفات غامضة "لخطاب الكراهية" كي تقيِّد حرية التعبير على غير وجه حق. ولذا يتعين للقيود التي تفرض على حرية التعبير، بما في ذلك على "خطاب الكراهية"، أن تكون واضحة ودقيقة في تعريفها للمفهوم لتجنب إساءة استعمال الحظر.
أي أنواع الخطاب لا يمكن
اعتبارها خطاب كراهية بصورة آلية؟
(مع أنها تتداخل فيما بينها أحياناً)
الخطاب المسيء
تحمي المعايير الدولية لحرية التعبير أشكال التعبير المسيئة أو المزعجة أو الصادمة، ولا تسمح بتقييدها بالاستناد فحسب إلى كونها "إساءة" إلى فرد أو جماعة. ولا ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان على أي حق للأفراد في الحرية من الإساءة، ولكنه يحمي دون مواربة حقهم في مواجهة هذه الإساءة والتعبير عن رأيهم ضد مطلقي هذا الخطاب.
وطبيعة "الإساءة" ذاتية في جوهرها، ولذا فإذا ما سمح للدول بأن تقيد التعبير على أساس كونه مسيئاً، فسيكون باستطاعتها تقييد كل تعبير تقريباً على نحو تعسفي. وكثيراً ما تفتقر قرارات الحظر للخطاب "المسيء" إلى الدقة والوضوح اللتين تتيحان للجمهور تنظيم سلوكه وفقاً للقانون (انظر القسم الخاص بالقيود-المشروعية القانونية فيما سبق).
الأفكار التي تنتقد الدولة أو المسؤولين الرسميين أو "الوحدة الوطنية"
تقر بعض الدول قوانين ضد "التحريض على كراهية النظام"، بيد أن انتقاد الحكومة لا صلة له بخطاب الكراهية. وبالمثل، لا يضفي الموقع الرسمي على الموظف العمومي ميزة الحماية (الحصانة)-فمن حقنا انتقاد الموظفين العموميين ومحاسبتهم على أدائهم لدورهم. وهذا أمر حاسم للحماية من الفساد ولضمان صلاح الحوكمة.
التجديف
بينما يعتبر التجديف مسيئاً بالنسبة للعديد من الأشخاص، إلا أنه ليس من خطاب الكراهية في شيء. وذلك لأن قانون حقوق الإنسان يحمي الأشخاص وليس الأفكار ونظم المعتقدات.
فكثيراً ما تستغل القيود المفروضة على التجديف لحظر التعبير عن آراء الأقلية أو وجهات النظر الخلافية، ما يغلق الأبواب أمام النقاش وتبادل الآراء على نحو منفتح وصريح. ويشمل هذا الحوار ما بين الأديان وضمن إطار الدين الواحد. كما تستغل لحظر انتقاد القادة الدينيين والتعليق على المعتقدات الدينية والتعاليم الدينية على حد سواء. ويفرض من هم في مواقع السلطة هذه القيود أحياناً لمنفعتهم السياسية، ولاستهداف منتقديهم وتجنب المساءلة، مستخدمين "التجديف" على نطاق واسع لاستهداف أي رأي مخالف.
وكثيراً ما توظَّف القيود المفروضة على التجديف كذلك لمنع أفراد الأقليات الدينية، وكذلك الملحدين أو اللادينيين، من التعبير عن آرائهم وإسكاتهم. بينما يستند الحق في حرية التعبير والحق في حرية الدين أو المعتقد، كلاهما، على احترام التعددية وعدم التمييز. فالتعددية أساسية، نظراً لأن المعتقد الديني الذي يرتضيه شخص ما لنفسه ربما يكون مسيئاً للمعتقد الذي ارتضاه شخص آخر لنفسه، والعكس بالعكس. وبتفضيلها نظام معتقدات على آخر، سواء في القانون أو في المحصلة العملية، فإن القيود المفروضة على التجديف تميِّز بالضرورة ضد أديان أو معتقدات الأقلية.
التحريض على الإرهاب
من الممكن أن تفرض القيود على أنواع أخرى من الخطاب (بناء على أركان الاختبار الثلاثي: المشروعية القانونية؛ ومشروعية الهدف؛ والتناسب والضرورة)، ومن ذلك، مثلاً، القيود التي تفرض على التحريض على الأعمال الإرهابية. بيد أنه من الأهمية بمكان التمييز بين هذا وبين "خطاب الكراهية"، نظراً للغموض الذي يكتنف صياغة القوانين، وخلطها بين العديد من المسائل المختلفة، ما يجعلها أشد عرضة لإساءة الاستعمال.
تعليقات